فوزي آل سيف

32

الأعظم بركة الإمام محمد الجواد

مواقف تجاه إمامة الجواد عليه السلام صيرورة الإمامة الإلهية للإمام محمد بن علي الجواد بعد أبيه علي بن موسى الرضا عليهما السلام كانت أمراً متميزاً فلأول مرة في تاريخ الإمامية، منذ ما بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وإلى سنة 203 ه‍ أي نحو قرنين من الزمن يكون إمام الخلق صغيرَ السن بهذا المقدار (ابن ثمان سنين) في أول توليه الإمامة! هذا الأمر جعل مواقف الناس والسلطة مختلفة تجاه الاعتقاد به، وقبول ذلك. أما السلطة العباسية: فمن الواضح أنها لم تكن تعتقد بإمامته ولا بإمامة آبائه، ولكن مع ذلك كانت تسلّم لآبائه بالفضيلة العلمية[71]، وبالزعامة الاجتماعية لبني هاشم وللشيعة، وكانت تتعامل معهم على هذا الأساس. وهذا الأمر لم تُقرّ به بالنسبة للإمام الجواد، فباستثناء المأمون العباسي الذي سنأتي على ذكر موقفه بعد قليل، كان أركان البيت العباسي لا يرون للإمام الجواد فضيلة علمية وإنما يعتبرونه طفلاً كسائر الأطفال ينبغي أن يتعلم ويدرس في الكتاب وعلى يد العلماء الكبار حتى يشتد عوده وعندئذ يتعامل معه كما يتعامل مع العلماء.. ولذلك فإنهم قد احتجوا على المأمون عندما قربه وأراد تزويجه ابنته بهذا المعنى من أنه صغير السن ويحتاج إلى النضج[72]. وعندما لم يقبل منهم المأمون انتقاده لجأوا إلى (امتحان) الإمام بواسطة يحيى بن أكثم في القصة المشهورة. ومع أن الإمام عليه السلام قد فاق يحيى بن أكثم أمامهم وأجاب على أسئلته وأعجز يحيى أن يجيب على أسئلته إياه، إلا أن ذلك وغيره لم يكن كافياً ليعترفوا للإمام، كيف وهم لم يعترفوا لأبيه الإمام الرضا مع ظهور مناقبه ومعاجزه أمامهم ولمدة طويلة من الزمان؟! وسر ذلك - لعله - ما عبر عنه المأمون نفسه - لو صحت نسبة الكلام إليه - من قوله لهم: أنتم السبب فيه، ولو أنصفتم القوم لكان أولى بكم، وأما ما كان يفعله من كان قبلي بهم، فقد كان قاطعاً للرحم!

--> 71 لقد استعان المنصور العباسي بأبي حنيفة ليأتي بأسئلة يعجز فيها الإمام جعفرا الصادق عليه السلام فخرج معه بنتيجة أن الإمام جعفرا هو أعلم الناس لأنه أعلمهم باختلافاتهم كما نقله المزي في التهذيب ٥/‏٧٩ والذهبي في سير أعلام النبلاء 9 / 543، وجرب الأمر ابنه المهدي العباسي مع الإمام موسى الكاظم عندما استقدم أبا يوسف ليناظر الإمام فما لبث أن غرقت سفينة أسئلته في بحر الإمام المواج، وعندها قال المهدي لأبي يوسف: ما أراك صنعت شيئا؟! فقال أبو يوسف: رماني بحجر دامغ. وجرب المأمون أن (يمتحن) الإمام الرضا في مؤتمر عالمي فإذا به يجيب أهل التوراة بتوراتهم وأهل الانجيل بانجيلهم وأهل الملل بما يؤمنون به! وها هو الإمام الجواد يكرر نفس المشهد الذي سبقه إليه آباؤه الكرام. 72 قال العباسيون للمأمون في احتجاجهم على المأمون: إن هذا الصبي وإن راقك منه هديه، فإنه صبي لا معرفة له ولا فقه، فأمهله ليتأدب ويتفقه في الدين، ثم اصنع ما تراه بعد ذلك.